ابن عطية الأندلسي

227

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

وأياديّ ، وانحذفت نون الجماعة للجزم ، وهذه نون المتكلم ، وحذفت الياء التي بعدها تخفيفا لأنها رأس آية ، ولو كان نهيا عن الكفر ضد الإيمان لكان : ولا تكفروا ، بغير النون . و يا حرف نداء و « أيّ » منادى و « ها » تنبيه ، وتجلب « أي » فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفا ما ، فلو لم تجلب « أي » لاجتمع تعريفان ، وقال قوم : « الصبر » : الصوم ، ومنه قيل لرمضان : شهر الصبر ، وتقدم معنى الاستعانة بالصبر والصلاة ، واختصاره أنهما رادعان عن المعاصي . وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * معناه بمعونته وإنجاده ، فهو على حذف مضاف ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لحسان بن ثابت : « اهجهم وروح القدس معك » ، وكما قال : « ارموا وأنا مع بني فلان » ، الحديث . وقوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ الآية ، سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأحد مات فلان ومات فلان ، فكره اللّه أن تحط منزلة الشهداء إلى منزلة غيرهم ، فنزلت هذه الآية ، وأيضا : فإن المؤمنين صعب عليهم فراق إخوانهم وقراباتهم فنزلت الآية مسلية لهم ، تعظم منزلة الشهداء ، وتخبر عن حقيقة حالهم ، فصاروا مغبوطين لا محزونا لهم ، ويبين ذلك من حديث أم حارثة في السير ، والفرق بين الشهيد وغيره إنما هو الرزق ، وذلك أن اللّه تعالى فضلهم بدوام حالهم التي كانت في الدنيا فرزقهم . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة ، وروي أنهم في قبة خضراء ، وروي أنهم في قناديل من ذهب ، إلى كثير من هذا ، ولا محالة أنها أحوال لطوائف أو للجميع في أوقات متغايرة ، وجمهور العلماء على أنهم في الجنة ، ويؤيده قول النبي صلى اللّه عليه وسلم لأم حارثة : إنه في الفردوس ، وقال مجاهد : هم خارج الجنة ويعلقون من شجرها ، و أَمْواتٌ رفع بإضمار الابتداء والتقدير هم أموات ، ولا يجوز إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب كما يصح في قولك قلت كلاما وحجة . وقوله وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أي قبل أن نشعركم . وقوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ الآية ، أمر تعالى بالاستعانة بالصبر وأخبر أنه مع الصابرين ، ثم اقتضت الآية بعدها من فضل الشهداء ما يقوي الصبر عليهم ويخفف المصيبة ، ثم جاء بعد ذلك من هذه الأمور التي لا تتلقى إلا بالصبر أشياء تعلم أن الدنيا دار بلاء ومحن ، أي فلا تنكروا فراق الإخوان والقرابة ، ثم وعد الصابرين أجرا ، وقال عطاء والجمهور : إن الخطاب في هذه الآية لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقيل : الخطاب لقريش وحل ذلك بهم فهي آية للنبي صلى اللّه عليه وسلم . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : والأول أظهر ، وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ معناه لنمتحننكم ، وحركت الواو لالتقاء الساكنين ، وقيل : الفعل مبني وهو مع النون الثقيلة بمنزلة خمسة عشر ، و الْخَوْفِ يعني من الأعداء في الحروب ، و الْجُوعِ الجدب والسنة ، وأما الحاجة إلى الأكل فإنما اسمها الغرث ، وقد استعمل فيه المحدثون الجوع اتساعا ، ونقص الأموال : بالجوائح والمصائب ،